الاحتجاجات تعود إلى الشارع.. نشطاء تونسيون يطالبون بتصحيح مسار الحقوق وإنهاء القمع
الاحتجاجات تعود إلى الشارع.. نشطاء تونسيون يطالبون بتصحيح مسار الحقوق وإنهاء القمع
شهدت العاصمة التونسية مسيرة احتجاجية جديدة هي الخامسة خلال شهرين، نظمتها قوى سياسية ونشطاء وناشطات بقيادة شبابية ونسوية، في تأكيد واضح لاستمرار الحراك الشعبي ورفض ما يصفه المحتجون بانحراف المسار السياسي وتراجع الحريات، وخرج المشاركون في المسيرة التي نُظمت يوم أمس السبت تحت شعار يؤكد أن الظلم يقود حتماً إلى الثورة وأن الحقوق والحريات لا بد أن تعود، مجددين تمسكهم بالاحتجاج السلمي بوصفه خياراً وحيداً للتغيير.
وأفادت وكالة أنباء المرأة الأحد أن المحتجون رفعوا شعارات تعبر عن الغضب من واقع القمع والاستبداد وتراجع حرية التعبير في تونس، مؤكدين أن الشعب هو صانع التغيير، وأن البلاد تمر بمرحلة توصف بالخانقة سياسياً واقتصادياً، وطالب المتظاهرون بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإبعاد المؤسسة القضائية عن التجاذبات والحسابات السياسية الضيقة، مع التشديد على ضرورة احترام استقلال القضاء.
احتجاج سلمي ورسائل واضحة
ركزت الشعارات والهتافات التي رددها المحتجون على التأكيد أن الاحتجاج السلمي هو الطريق الوحيد لمواجهة ما يعدونه ظلماً ممنهجاً، وأعرب المشاركون عن أملهم في رفع الظلم عن السجناء السياسيين وإرساء العدالة والحريات، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها دون إقصاء أو تمييز أو عنف سياسي، وقد بدت المسيرة، من حيث التنظيم والمشاركة، امتداداً لتحركات سابقة حملت الرسائل ذاتها، ما يعكس إصراراً شعبياً على الاستمرار.
قالت مودة الجماعي، وهي من منظمات المسيرة، إن الثورة لم تكن يوماً محصورة في تاريخ بعينه، بل هي مسار مستمر ما دام الظلم قائماً، وأكدت أن نبض الشارع لا يزال حياً، وأن الجيل الذي خرج اليوم يرفض الصمت وقبول الأمر الواقع، معتبراً نفسه امتداداً لروح الثورة الأولى، وأضافت أن هذا الجيل يسعى إلى تصحيح الأخطاء التي ارتكبتها الأجيال السابقة، ويرفض إعادة إنتاج منظومة الفشل، مشددة على أن الثورة ملك للشعب وليست منجزاً منتهياً.
غضب نسوي وموقف مدني
من جهتها عبرت الناشطة النسوية جنين التليلي عن غضبها من تردي الأوضاع في تونس، مؤكدة أن خروجها مع نشطاء وناشطات ومواطنين ومواطنات هو تعبير عن رفض قمع الأصوات الحرة وسياسات التضييق والتجويع والتركيع، ونددت بما وصفته بملء السجون بالمعارضين، ورفضت استمرار العمل بالمرسوم 54 الذي تعده أداة لتكميم الأفواه وضرب حرية التعبير، وأكدت أن التحرك سلمي ومستقل، ولا يقف خلفه أي غطاء حزبي أو سياسي، بل هو صوت مواطنين أحرار خرجوا رفضاً لواقع مرير.
شاركت ليلى محمد في المسيرة بدافع إيمانها بإمكانية التغيير، مؤكدة أن توحيد الجهود بات ضرورة لإيصال الأصوات ووقف الانتهاكات، وأوضحت أنها لا تنتمي إلى أي حزب أو تيار سياسي، لكنها ترفض بشكل قاطع سياسة سجن الخصوم السياسيين والتنكيل بهم بسبب الاختلاف في الرأي، وأعربت عن خشيتها من عودة البلاد إلى مربع الديكتاتورية الذي سبق الثورة، حين كانت الكلمة جريمة، مؤكدة رفضها للاستبداد وتمسكها بعدم العودة إلى الوراء.
بداية عام حافل بالاحتجاج
تعد هذه المسيرة الأولى في عام 2026، لكنها تأتي بعد سلسلة من التحركات الاحتجاجية التي شهدها العام الماضي، جميعها رفعت مطالب متشابهة تتعلق بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات، ووقف ما يوصف بالظلم، وإلغاء المرسوم 54، وخلال تلك التحركات رفع المحتجون صوراً رمزية تعكس مخاوفهم من تكرار الماضي، في إشارة إلى أن مسار الثورة لم يغلق بعد.
سجناء ومعارضة في المواجهة
يقبع في السجون التونسية عشرات المعارضين والمعارضات، غالبيتهم متهمون في قضايا تتعلق بالتآمر على أمن الدولة، وقد صدرت بحق بعضهم أحكام قاسية تصل إلى 45 سنة سجناً، وتؤكد قوى المعارضة أن هذه القضايا ذات طابع سياسي، وتستخدم لإسكات الأصوات المنتقدة للسلطة، في ظل مناخ سياسي متوتر.
تتهم المعارضة التونسية الرئيس قيس سعيد بالسيطرة على مفاصل الحكم والتفرد بالسلطة منذ إعلانه التدابير الاستثنائية والتي بررها حينها بمكافحة الفساد وإنقاذ مؤسسات الدولة من الانهيار وترى المعارضة أن تلك الإجراءات أدت إلى تراجع خطير في المسار الديمقراطي، وإضعاف دور المؤسسات، وتقييد الحريات العامة.
عرفت تونس منذ ثورة 2011 مساراً سياسياً متقلباً، تخللته أزمات اقتصادية واجتماعية حادة وصراعات سياسية متواصلة، ورغم المكاسب التي تحققت في مجال الحريات خلال السنوات الأولى بعد الثورة، فإن البلاد شهدت في الأعوام الأخيرة تصاعداً في التوتر بين السلطة والمعارضة، وعودة خطاب التخوين والتجريم، ومع تزايد الاعتقالات والمحاكمات السياسية، عاد الشارع ليؤكد حضوره بوصفه فاعلاً أساسياً في المشهد، معتمداً على الاحتجاج السلمي بوصفه أداة للضغط، وتعكس المسيرات الأخيرة إصرار شريحة واسعة من التونسيين على الدفاع عن مكتسبات الثورة، والمطالبة بدولة قانون تضمن العدالة والحرية والكرامة لجميع المواطنين دون استثناء.











